مدن جهة الشرق بين تعثر التنمية واختلال الأولويات.. هل يتسع الفارق داخل المغرب؟

الجهات المجتمع

عبد الصمد لغميري

لا تتراجع المدن بين ليلة وضحاها، بل تتآكل تدريجيا عندما يغيب التخطيط الاستراتيجي، وتستبدل الرؤية التنموية بمنطق التدبير اليومي، وتقدم الحسابات الضيقة على المصلحة العامة، وهي معادلة يرى متابعون أنها أصبحت تفرض نفسها في عدد من مدن جهة الشرق، حيث لا تزال اختلالات البنية التحتية، والخدمات العمومية، والاستثمار، وجودة العيش، تؤثر في المسار التنموي للجهة رغم ما تزخر به من مؤهلات اقتصادية وجغرافية.

وتشهد مدن بالجهة، من قبيل بركان، ووجدة، وجرسيف، وتاوريرت، والناظور، والدريوش، وفكيك، تحديات متفاوتة في مجالات تأهيل الفضاءات العمومية، ومحاربة الأسواق العشوائية، وتحسين خدمات النقل والتنقل، وتعزيز العرض الصحي، وتسريع وتيرة إنجاز المشاريع المبرمجة، مع اختلاف حجم هذه الإكراهات من مدينة إلى أخرى.

وتثير هذه الأوضاع نقاشا متجددا حول كيفية تدبير الشأن المحلي، خاصة عندما يتم تخصيص اعتمادات لتنظيم تظاهرات وسهرات فنية، في الوقت الذي يرى فيه عدد من المواطنين والفاعلين المدنيين أن الأولوية ينبغي أن تمنح للمشاريع المرتبطة بالبنية التحتية، والنظافة، والصحة، والتعليم، وخلق فرص الشغل، بما ينعكس بشكل مباشر على جودة حياة الساكنة.

ولا يتعلق الأمر، بحسب متابعين، برفض الأنشطة الثقافية أو الفنية، فهي تشكل جزءا من التنمية المحلية، غير أن نجاحها يبقى رهينا بوجود مدينة مؤهلة تتوفر على خدمات عمومية جيدة وبنيات أساسية قادرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين.

وتكتسي هذه الإشكالات أهمية أكبر في ضوء التوجيهات الملكية الداعية إلى تحقيق تنمية مجالية متوازنة، فقد نبه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في أكثر من مناسبة، إلى خطورة استمرار الفوارق المجالية، مؤكدا أن المغرب لا ينبغي أن يسير بسرعتين، مغرب يستفيد من ثمار التنمية، وآخر ما تزال ساكنته تنتظر أبسط شروط العيش الكريم. وهي رسالة تعكس ضرورة جعل العدالة المجالية وتكافؤ الفرص في صلب السياسات العمومية.

وتؤكد هذه الرؤية أن التنمية لا تقاس بعدد المشاريع المعلنة أو الأنشطة الاحتفالية، وإنما بمدى انعكاسها على الحياة اليومية للمواطن، من خلال طرق مؤهلة، ومستشفيات تقدم خدماتها بكفاءة، ومدارس ذات جودة، ومرافق عمومية تستجيب لانتظارات الساكنة، إضافة إلى اقتصاد محلي قادر على خلق فرص الشغل واستقطاب الاستثمار.

وأمام هذه التحديات، تتزايد الدعوات إلى تعزيز الحكامة الجيدة، وتفعيل آليات الرقابة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإخضاع المشاريع والصفقات العمومية للتقييم والافتحاص، بما يضمن حسن تدبير المال العام ويعزز ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.

فجهة الشرق، بما تزخر به من مؤهلات طبيعية وبشرية ومشاريع استراتيجية كبرى، تمتلك كل المقومات لتكون إحدى قاطرات التنمية بالمملكة. غير أن تحقيق هذا الطموح يظل رهينا بحسن تدبير الموارد، وترتيب الأولويات، والانتقال من منطق التدبير الظرفي إلى رؤية تنموية تجعل المواطن محور كل السياسات العمومية، انسجاماً مع التوجيهات الملكية الرامية إلى بناء مغرب تتقاسم جميع جهاته ثمار التنمية والازدهار.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *